أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
248
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
عليهم ، فالصابئ : التارك لدينه كالصابىء الطارىء على القوم فإنه تارك لأرضه ومنتقل عنها » . ومن لم يهمز فإنه يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون مأخوذا من المهموز فأبدل من الهمزة حرف علة إمّا ياء أو واوا ، فصار من باب المنقوص مثل قاض أو غاز ، والأصل : صاب ، ثم جمع كما يجمع القاضي أو الغازي ، إلا أنّ سيبويه لا يرى قلب هذه الهمزة إلا في الشعر ، والأخفش وأبو زيد يريان ذلك مطلقا . الثاني : أنه من صبا يصبو إذا مال ، فالصابي كالغازي ، أصله : صابوا فأعلّ كإعلال غاز . وأسند أبو عبيد إلى ابن عباس : « ما الصابون إنما هي الصابئون ، ما الخاطون إنما هي الخاطئون » . فقد اجتمع في قراءة نافع همز النبيين وترك همز الصابئين ، وقد عرفت أن العكس فيهما أفصح . وقد حمل الضمير في قوله « مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ » * على لفظ « من » فأفرد ، وعلى المعنى في قوله : « فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ » على المعنى ، فجمع كقوله : 522 - ألمّا بسلمى عنكما إن عرضتما * وقولا لها عوجي على من تخلّفوا « 1 » فراعى المعنى ، وقد تقدّم تحقيق ذلك عند قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا « 2 » . والأجر في الأصل مصدر يقال : أجره اللّه يأجره أجرا ، وقد يعبّر به عن نفس الشيء المجازى به ، والآية الكريمة تحتمل المعنيين . وقرأ أبو السّمّال « 3 » : « والذين هادوا » بفتح الدال كأنها عنده من المفاعلة والأصل : « هاديوا » فأعلّ كنظائره . قوله تعالى : فَوْقَكُمُ : ظرف مكان ناصبه « رفعنا » وحكم « فوق » مثل حكم تحت ، وقد تقدّم الكلام عليه . قال أبو البقاء : « ويضعف أن يكون حالا من « الطور » ، لأن التقدير يصير : رفعنا الطور عاليا ، وقد استفيد من « رفعنا » وفي هذا نظر لأنّ المراد به علوّ خاص وهو كونه عاليا عليهم لا مطلق العلوّ حتى يصير رفعناه عاليا كما قدّره . قال : « ولأنّ الجبل لم يكن فوقهم وقت الرفع ، وإنما صار فوقهم بالرفع » . ولقائل أن يقول : لم لا يكون حالا مقدرة ، وقد قال هو في قوله « بقوة » إنها حال مقدّرة كما سيأتي . والطّور : اسم لكلّ جبل ، وقيل لما أنبت منها خاصة دون ما لم ينبت ، وهل هو عربي أو سرياني ؟ قولان ، وقيل : سمّي بطور ابن إسماعيل عليه السّلام ، وقال العجّاج : 523 - داني جناحيه من الطّور فمرّ * تقضي البازي إذا البازي كسر « 4 » قوله : خُذُوا في محلّ نصب بقول مضمر ، أي : وقلنا لهم خذوا ، وهذا القول المضمر يجوز أن يكون في محلّ نصب على الحال من فاعل « رفعنا » والتقدير : ورفعنا الطور قائلين لكم خذوا . وقد تقدّم أنّ « خذ »
--> ( 1 ) البيت من شواهد القرطبي ( 1 / 435 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 8 ) . ( 3 ) انظر الشواذ ص ( 6 ) . ( 4 ) البيت في ديوانه ( 28 ) الخصائص ( 2 / 90 ) أمالي القالي ( 2 / 171 ) ، المحتسب ( 1 / 157 ) ، المخصص ( 11 / 120 ) ، الدرر ( 2 / 213 ) ، الكامل ( 3 / 47 ) ، الكشاف ( 4 / 426 ) ، مجاز القرآن ( 2 / 300 ) ، ابن يعيش ( 10 / 250 ) ، الهمع ( 2 / 157 ) ، الأشموني ( 4 / 336 ) .